اسد حيدر
525
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ولذلك نرى أن الولاة كانوا يحترمونه غاية الاحترام ، ويخشونه كخشيتهم من المنصور ، فعظمت بذلك منزلة مالك ، وتقرب الناس إليه ، وازدحموا على بابه كازدحامهم على أبواب الأمراء . وهذا هو السبب في هيبة مالك في النفوس ، لأن الحكام كانوا يهابونه حتى أنهم يحسون بالصغر في حضرته ، كما حدث الشافعي عندما قدم المدينة يحمل كتابا لواليها من والي مكة ، ويطلب منه أن يوصله إلى مالك ، فقال الوالي : يا فتى إن مشيي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيا راجلا أهون عليّ من المشي إلى باب مالك ، فلست أرى الذلة حتى أقف على باب داره « 1 » فإذا كان الولاة هذه حالتهم معه ، فالناس أولى بذلك . وكيف لا يهابه الولاة وبيده أمرهم من عزل وتعيين ؟ هذا هو سر هيبة مالك مرجعها لقوة المنصور التنفيذية . اتصاله بالمنصور : والذي يظهر أن اتصال مالك بالمنصور وتقريبه إياه كان في السنة التي حج فيها المنصور على ما يرويه ابن قتيبة : أن المنصور كتب إلى مالك : أن واف الموسم في العام القابل إن شاء اللّه ، فإني خارج إلى الموسم . فلما حج المنصور 153 ه - ودخل عليه مالك ، فاعتذر المنصور إليه مما ناله من الضرب والإهانة وقال له - بعد كلام طويل - : ولقد أمرت أن يؤتى بعدو اللّه من المدينة على قتب - يعني جعفر بن سليمان الذي ضرب مالك - وأمرت بضيق مجلسه ، والمبالغة في امتهانه ، ولا بد أن أنزل فيه من العقوبة أضعاف ما نالك منه . فقال مالك : عافى اللّه أمير المؤمنين ، وأكرم مثواه ، قد عفوت عنه لقرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثم منك . وبهذا يتضح أن هذا الاجتماع هو أول اجتماع بعد ضرب مالك وإهانته ثم أمره أن يضع كتابا يحمل الناس عليه ، ويبثه في الأمصار ويأمر الناس بالعمل به ، وأن لا يقضى بسواه . فقال مالك : إن أهل العراق لا يرضون علمنا ، ولا يرون في علمهم رأينا .
--> ( 1 ) معجم الأدباء ج 17 ص 275 .